مقدمة :
يُعد مسجد سادات قريش بمدينة بلبيس بمحافظة الشرقية واحدًا من أهم المعالم الإسلامية والتاريخية المتميزة في مصر إذ يرتبط بمرحلة مبكرة من الفتح الإسلامي لمصر عام 18هـ/639م ويذهب عدد من المؤرخين إلى أنه من أقدم المساجد التي أُنشئت في مصر وأفريقيا بل ويرى بعضهم أنه سبق في تأسيسه مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط مما أكسبه مكانة تاريخية وأثرية مميزة وقد سُمِّي المسجد بـ سادات قريش تخليدًا لذكرى عدد من شهداء المسلمين من قبيلة قريش الذين استشهدوا
خلال معركة بلبيس أثناء الفتح الإسلامي لمصر حيث دُفنوا في موضع المسجد فأصبح شاهدًا على تلك الحقبة المهمة من التاريخ الإسلامي ويقع المسجد بشارع بورسعيد بمدينة بلبيس ويتميز بطرازه المعماري البسيط الذي يجمع بين القيمة الدينية والأثرية إذ يضم أعمدة رخامية ذات تيجان رومانية وسقفًا خشبيًا يعكس سمات العمارة الإسلامية المبكرة ويُمثل مسجد سادات قريش نموذجًا فريدًا للتراث الإسلامي في مصر لما يحمله من دلالات تاريخية ودينية وحضارية الأمر الذي جعله محل اهتمام الباحثين والمؤرخين وجهود الترميم والحفاظ على الآثار عبر العقود المختلفة
تاريخ بناء المسجد :
تم بناء المسجد على يد عمرو بن العاص سنة 18 هجرية أثناء الفتح الإسلامي لمصر وبذلك يعد جامع «سادات قريش» بالشرقية هو أول مسجد بُني
في مصر تبعاً لما يؤكده بعض من المؤرخين قبل مسجد عمرو بن العاص في مدينة الفسطاط ومسجد الرحمة في الإسكندرية ومنهم الباحثة الدكتورة سعاد ماهر والبروفيسور فرانسوا ألبريت المتخصص في التاريخ العربي والإسلامي بجامعة السوربون وهناك بعض المصادر تشير إلى أنه ثاني أقدم مسجد في أفريقيا بعد مسجد النجاشي في الحبشة والذي أسسه الصحابة عند هجرتهم إلى الحبشة
عام 613 ميلادي كما أن السيدة زينب ابنة علي بن أبي طالب بعد هزيمة كربلاء رأت رؤية وهي بالمدينة أن رسول الله يأمرها بأخذ آل البيت إلى مصر
فاستقبلها أهل بلبيس أٍتقبال رائع فهو خير استقبال وأقامت بالمسجد شهراً كاملاً وأيضا كان الخليفة العباسي المأمون قد أمر بترميم المسجد بعد أن أقام فيه 40 يوماً حينما نزل مصر ليعيد النظام إليها بعد أن ثار المصريون من العرب الفاتحين والأقباط السكان الأصليين على تعسف الوالي العباسي عيسى بن منصور ومن ذلك أطلق على مسجد سادات قريش فترة من الزمن
جامع المأمون وقد وتم تجديده مرة أخرى وذلك في عهد الأمير مصطفى الكاشف سنة 1002 هجرية وكانت مئذنة سادات قريش مسجلة بالفعل ضمن الآثار الإسلامية المتميزة بمصر وذلك بالقرار الوزاري المسجل برقم 10357 لسنة 1951 بمحافظة الشرقية وقد ذكر أنه قد تم التعدي عليها والبناء حولها وهي ناقصة وبدون قمة ونهايتها متهدمة وذلك في حقبة السبعينيات فقد تم فك جزء آخر منها ملقى بجانبها
معركة بلبيس وتأسيس مسجد سادات قريش :
ترتبط نشأة مسجد سادات قريش ارتباطًا وثيقًا بالأحداث التي صاحبت الفتح الإسلامي لمصر حيث كانت مدينة بلبيس من أوائل المدن التي شهدت
المواجهات بين المسلمين والقوات البيزنطية وتذكر بعض المصادر التاريخية أن المدينة اكتسبت أهمية خاصة خلال هذه المرحلة إذ شكّلت نقطة انطلاق مهمة للجيش الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص في طريقه إلى فتح مصر وقد شهدت بلبيس معركة حاسمة دارت بين المسلمين والحامية البيزنطية واستمرت لفترة من الزمن قبل أن تنتهي بانتصار المسلمين. وتشير روايات المؤرخين
ومنهم ابن عبد الحكم والطبري وابن الأثير إلى سقوط عدد من الشهداء من جيش المسلمين خلال هذه المعركة كان من بينهم رجال ينتسبون إلى قبيلة قريش عدد من التابعين الذين شاركوا في الفتح وبعد انتهاء المعركة واستقرار الأوضاع أُقيم المسجد في الموضع الذي ارتبط بذكرى الشهداء، ليصبح معلمًا دينيًا وتاريخيًا يجسد مرحلة مهمة من تاريخ مصر الإسلامي ومن هنا جاء اسم سادات قريش تخليدًا لذكرى شهداء قريش الذين ضحوا في سبيل الفتح وظل المسجد عبر القرون شاهدًا على هذه الأحداث ومعبّرًا عن قيم البطولة والتضحية التي ارتبطت ببدايات دخول الإسلام إلى مصر
شخصيات تاريخية :
ارتبط مسجد سادات قريش وذلك بعدد من الشخصيات التاريخية الهامة التي أسهمت في مكانته الدينية والتاريخية وفي مقدمتها الصحابي والقائد عمرو بن العاص الذي يُنسب إليه تأسيس المسجد وذلك عقب الفتح الإسلامي لمصر فى عام 18هـهجرية كما ارتبطت مدينة بلبيس بالأنبا بنيامين بطريركى الكنيسة القبطية الذي تذكر بعض الروايات التاريخية حيث أنه تواصل مع عمرو بن العاص خلال تلك الفترة ويرتبط المسجد كذلك
بذكرى عدد كبير من الصحابة وشهداء الفتح الإسلامي المعروفين الذين أستشهدوا فى العارك والذين دُفن بعضهم في المنطقة مما أكسبه مكانة
خاصة جدا في الذاكرة التاريخية وفي العصور اللاحقة بعد ذلك وقد حظي مسجد سادات قريش باهتمام عدد من الحكام من بينهم الخليفة العباسي المأمون والأمير مصطفى الكاشف الذي قام بتجديده وتشييد مئذنته الشهيرة وغيرهم
التصميم المعمارى للمسجد :
كانت البداية الإنشائية لمسجد سادات قريش تحاكي الطراز النبوي الأول البسيط حيث اقتُطعت مساحة مستطيلة من الأرض وبنيت جدرانها من الطوب اللبن بينما رفعت القبلة بصفين
من جذوع النخل وسقفت بالسعف والطمي على غرار مسجدي البصرة والكوفة ومع تعاقب العصور طرأت تحولات معمارية جذرية غيرت معالم هذا المبنى البسيط ليتحول
إلى صرح ممتد على مساحة كبيرة جدا تزيد عن ألفي متر مربع وقد تصل حالياً إلى نحو ثلاثة آلاف متر مربع ويتميز مسجد سادات قريش بتصميمه المستطيل المقسم إلى أربعة أروقة موازية لحائط القبلة ترتكز على ثلاثة صفوف من الأعمدة الرخامية البالغ عددها ثمانية عشر عموداً من الرخام المتميز والفسفوري الفريد منها ستة عشر عموداً تتوسط الصحن وعمودان يدعمان المحراب في جدار القبلة وتحمل هذه الأعمدة تيجاناً كلاسيكية ذات أشكال رومانية وبيزنطية متنوعة
مما يرجح استخدام عناصر معمارية منقولة من بقايا قصر الحاكم الروماني الذي شيد المسجد على أنقاضه ويحتوي المسجد على سقف خشبي أثري ونوافذ زجاجية تاريخية وشواهد فرعونية قديمة ولعل من أبرز التفاصيل المادية التي تؤكد هوية المسجد التاريخية وجود لوحة رخامية مستطيلة مثبتة أسفل بوابة المسجد الرئيسية المكتوب عليها على حجر بارز مسجد سادات قريش تأسس سنة 18 هجريا وتتضمن اللوحة نقشاً نصه أسسه عمرو بن العاص 18 هجريا وتجدد فى عهد الأمير مصطفى الكاشف 1002 هجريا
الرعاية السياسية والترميمات التاريخية :
خضع المسجد لعدة محطات ترميمية عبر العصور بدأت بإعمار الخليفة المأمون وتوجت بتجديد الأمير مصطفى الكاشف عام 1002 هجرية 1594 ميلادية الذي بنى المئذنة الحجرية الحالية وقد ارتبطت المئذنة بأزمة تاريخية وقانونية وثقتها كراسات لجنة حفظ الآثار العربية إذ تقدم ديوان عموم الأوقاف بطلب لفحص المنارة بسبب اختلال توازنها الإنشائي وحاجتها الملحة للترميم وأرسلت اللجنة مهندسيها الذين سجلوا في البداية قراءة خاطئة للتاريخ المنقوش عليها معتبرين إياه 1032 هجرية وبناءً على هذه القراءة رفض القسم الهندسي تسجيلها كأثر
لعدم عراقتها الكافية بموجب معاييرهم هامة وأن اللجنة قررت إعادة التحقق فانتدبت المفتش الأثري يوسف أفندي لإجراء فحص دقيق ودراسة الصور الفوتوغرافية وجاء تقرير المفتش ليصحح الخطأ مؤكداً أن المئذنة تعود لعام 1022 هجرية الذي تم استخلاصه بدقة وتدقيقه لعهد أقدم وأنها تمثل الجزء الأثري الوحيد المتبقي ذي الأهمية الكبرى من جامع السادات القديم الذي تداعت جدرانه واستبدلت ببناية أحدث وبناءً على تقرير يوسف أفندي تراجع القسم الفني عن قراره السابق
وقد اقترح البعض أن يتم إدراج المنارة في عداد الآثار المسجلة رسمياً بالقرار الوزاري رقم 10357 لعام 1951 ميلادية ورغم ذلك تعرضت هذه المئذنة
لكثير من لاعتداءات المسحلة تاريخيا وهى أعنداءت عمرانية وكذلك إشغالات بمحيطها مما أدت إلى تهدم قمتها التي كانت على هيئة قلة وفك جزء منها في السبعينيات ظل مهملاً بجانبه لتفقد المنارة طابقها الأسطواني وجوسقها الكلاسيكي وتقتصر اليوم على القاعدة المربعة وجزء من الطابق المثمن فحسب
تحديات الحفاظ على المسجد :
تكمن المفارقة البيروقراطية الكبرى في أن وزارة السياحة والآثار المصرية لا تسجل مسجد سادات قريش كأثر متكامل بل تكتفي بتصنيف المئذنة العثمانية فقط كأثر مسجل بينما يُعامل المسجد كـ مبنى ذو طراز معماري خاضع إدارياً لوزارة الأوقاف ويرى خبراء الآثار أن غياب الوثائق التفصيلية الدقيقة لبعض فترات تاريخ المسجد ساهم في استبعاده من التسجيل الكلي غير أن هذا الاستبعاد حرم المسجد من الحماية القانونية الشاملة
مما أدى إلى الأحتياج لسرعة الترميم وتكاليف هذا العمل وخاصة بعد هذا التدهور والحالة المعمارية للمسجد وتداعي بعض جدرانه وسقفه الخشبي وتتعاون وزارة الأوقاف حالياً مع وزارة السياحة والآثار لإدراج المسجد ومحيطه ببلبيس ضمن مسارات زيارة اليوم الواحد للسياح الأجانب والمصريين لإحياء التراث الحضاري المهمل بالشرقية خاصة وأن بلبيس تعد جزءاً محورياً من مسار رحلة العائلة المقدسة في مصر
رسالة المسجد ودوره الثقافي :
لا تقتصر أهمية مسجد سادات قريش على قيمته التاريخية والأثرية بل يمتد دوره ليؤدي رسالة دينية هامة وثقافية مؤثرة في المجتمع المحلي بمدينة بلبيس وتحت إشراف وزارة الأوقاف والأزهر الشريف يحتضن المسجد العديد من الأنشطة الدعوية والتثقيفية التي تسهم في نشر الوعي الديني وترسيخ القيم الأخلاقية بين مختلف فئات المجتمع كما يشارك المسجد في تعليم القرآن الكريم وعلومه من خلال حلقات التحفيظ والمقارئ القرآنية إلى جانب الدروس والندوات التي تتناول القضايا الدينية والاجتماعية المعاصرة. وخلال شهر رمضان المبارك تتزايد هذه الأنشطة لتشمل أمسيات دينية وثقافية تجذب أعدادًا كبيرة من أهالي بلبيس والمناطق المجاورة، مما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخ المسجد ومكانته الروحية وبفضل هذا الدور المتواصل، يظل مسجد سادات قريش منارة دينية وثقافية تجمع بين عبق التاريخ ورسالة التوعية والمعرفة، محافظًا على مكانته كأحد أبرز المعالم الإسلامية في محافظة الشرقية
الحفاظ على المسجد وآفاق تطويره :
رغم ما يتمتع به مسجد سادات قريش من قيمة تاريخية وأثرية كبيرة، فإنه يواجه تحديات تتعلق بالحفاظ على مكوناته المعمارية وصيانتها بصورة مستمرة. وتُعد مئذنة المسجد من أبرز العناصر الأثرية المتبقية حيث سُجلت ضمن الآثار الإسلامية، إلا أن عوامل الزمن والتغيرات العمرانية المحيطة بها استدعت الحاجة إلى أعمال ترميم وصيانة متخصصة للحفاظ عليها للأجيال القادمة وفي السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بإبراز الأهمية التاريخية للمسجد باعتباره أحد أقدم المساجد المرتبطة ببدايات الفتح الإسلامي لمصر، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من الدراسات الأثرية والتاريخية التي تسهم في توثيق تاريخه وإلقاء الضوء على مكانته الحضارية. كما تمثل جهود تطوير المنطقة المحيطة بالمسجد وإدماجه ضمن المسارات السياحية والثقافية بمحافظة الشرقية خطوة مهمة نحو تعزيز الوعي بقيمته التراثية وتبقى المحافظة على مسجد سادات قريش مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي، بما يضمن استمرار هذا المعلم التاريخي شاهدًا على حقبة مهمة من تاريخ مصر الإسلامي، ومصدرًا للمعرفة والاعتزاز بالتراث الوطني
مصر عبر العصور مصر والمصريين على مر الزمان